اخبار اقتصادية

التعطيش بهدم خزانات المياه

وكالة الانباء الفلسطينية: الحارث الحصني
لم تدرك مجموعة من العمال التي تعمل على تجهيز إحدى المساحات الزراعية في سهل طوباس، أنها تعمل تحت سقف الاحتمالات.

فهؤلاء العمال كانوا يتحركون بأسراب متوازية لعمل شقوق في “أتلام” مغطاة بالبلاستيك، استعدادا لغرس البذور عند عيون التنقيط.

وصباحا، أحاطت جرافتان تابعتان لقوات الاحتلال الإسرائيلي خزان مياه لأحد المواطنين، بسعة ألف كوب، يغذي مئات الدونمات الزراعية في سهل طوباس، وسوته بالأرض.

وأمكن مشاهدة صفائح الحديد، وبعض الأنابيب، وبعض الجسور الاسمنتية المدمرة في المكان.

بعد هدم الخزان الثاني في غضون أسبوع، علق حقوقيون على ذلك أن الاحتلال يريد “تعطيش البشر، والأرض”.

وبحسب مسؤول ملف الأغوار في محافظة طوباس معتز بشارات، فإن قوات الاحتلال هدمت الخزان الذي يعود للمواطن عدنان صوافطة، لأنه “غير مرخص”.

وبحسب ما نُشره مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم” فإنه وفقًا لمعطيات سلطات الاحتلال، قدّم الفلسطينيّون 5,475 طلب ترخيص بناء في الفترة الواقعة بين عام 2000 ومنتصف عام 2016، وتمّت الموافقة على 226 طلبًا فقط، أي نحو 4% من الطلبات.

وأضافت “بتسيلم” أن “الإدارة المدنية” ترفض على نحوٍ شامل تقريبًا إصدار تراخيص بناء للفلسطينيين مهما كان نوع البناء (منازل، أو مبانٍ زراعية، أو مبانٍ عامّة، أو مرافق ومنشآت بُنى تحتيّة).

أوامر هدم

وعندما يبني الفلسطينيون دون ترخيص -لأنّه لا خيار آخر لديهم- تصدر سلطات الاحتلال أوامر هدم للمباني بعضها تنفّذه فعليًّا. وحيث لا ينفَّذ أمر الهدم يُجبر السكّان على العيش في انعدام يقين دائم.

ويكرر بشارات الكلام ذاته، عندما قال إن محاولات حثيثة قامت بها محافظة طوباس، والجهات المختصة للحصول على طلب ترخيص على الأقل للخزان، لكنها كلها باءت بالفشل.

وهذا الخزان أخطره الاحتلال قبل أشهر بوقف العمل فيه، “اليوم انتهى أجله”، قال بشارات.

وبأرقام سردها مدير زراعة طوباس عمر بشارات، فإن الخزان يمد ما يقارب 530 دونما بالمياه، منها 150 دونما من البيوت البلاستيكية.

وتزرع مئات الدونمات من أراضي السهل بأنواع مختلفة من الخضراوات، بينما يجري تحضير مئات غيرها لبدء موسم جديد.

تقول الأرقام المتوفرة لدى بشارات إن الخزان يغذي خمسة تجمعات سكانية في المناطق المهددة، وعدد سكانها ما يقارب 480 مواطنا.

دون مياه

بدوره، قال علي دراغمة وهو أحد مزارعي السهل: “الآن صرنا دون مياه، عندي محاصيل أقطفها قد تموت بسبب ما حدث”.

ويكرر ذلك مسؤول شركة مجلي الزراعية محمد حميدات بقوله: “سنواجه مشكلة كبيرة في إيصال المياه للمزارعين، وبعض المنازل المستفيدة”.

وأضاف أنها “حرب على البشر والشجر”.

ووفقا لمعطيات المؤسسة الحقوقية “بتسيلم”، فإنه في الفترة ما بين 2006 وأيلول 2017 هدمت “الإدارة المدنية” 698 وحدة سكنيّة على الأقلّ في بلدات فلسطينية في منطقة الأغوار.

وعندما هدم الاحتلال الخزان الذي شُغل فعليا في شهر شباط من العام الماضي، كان ممتلئا بالماء. وقال شقيق صاحب الخزان علان صوافطة في وصف ذلك: “خسرنا ألف كوب من الماء”.

وشوهدت بقايا المياه المتجمعة، كما شوهدت آثار المياه التي جرت مع الجبل حين هدم الاحتلال الخزان.

الجهات الرسمية في الشركة المسؤولة عن الخزان، عبرت عن تخوفها من نتائج هدم الخزان المقام على إحدى التلال المقابلة للسهل.

وقال حميدات لمراسل “وفا”، إن هدم الخزان يضع الجميع أمام مشكلة كبيرة.

وخلال أكثر من ساعتين كانت بعض المحاولات من بعض الفنيين بالمياه، لجعل الأخير يتدفق من فتحة أحد الأنابيب القادمة من البئر الارتوازية القريبة منه، لكن لم يُكتب لها النجاح.

وبالنسبة لرئيس مجلس قروي “يرزة” شرق طوباس مخلص مساعيد، وهي أحد التجمعات التي يغذيها الخزان، فإن هدم الخزان سيجعل ما يقارب خمسين عائلة فلسطينية دون ماء كاف لها، ولمواشيها.

والرجل الذي كان قادما من الخربة قال، إنه لا ماء في الأنابيب التي تصل بين منازل المواطنين ومصدرها الذي هدمه الاحتلال صباحا.

ووصف ذلك بقوله: “هذه جريمة لها أثر على المدى البعيد، يريدون قطع شريان الحياة في المنطقة، للتو جئت من الخربة، وبدا الخوف واضحا على وجوه المواطنين، خصوصا أصحاب المواشي منهم”.

وأخذ يمد يده على استقامتها نحو الشرق، واصفا أن عددا من العائلات التي تسكن في خيام لها أقامتها على سفح أحد الجبال القريبة، لن تنعم بماء يكفيها حتى إصلاح الأمر كله.

وبأرقام تقديرية أدلى بها الرجل فإن الاستهلاك الشهري للمواطنين، مع مواشيهم، في الخربة يقارب الألف كوب.

عدالة زائفة
“بتسيلم” نشرت على موقعها الإلكتروني في تقرير لها بعنوان “عدالة زائفة: مسؤولية قضاة محكمة العدل العليا عن هدم منازل الفلسطينيين وسلبهم”، أنه على مرّ السّنين أصدرت سلطات الاحتلال آلاف أوامر الهدم لمبانٍ فلسطينيّة، كما أصدرت سلطات الاحتلال 16,796 أمر هدم في الفترة الواقعة بين عام 1988 وعام 2017، نفّذت منها 3,483 أمرًا (نحو 20%)، ولا يزال 3,081 أمر هدم (نحو 18%) قيد المداولة القضائيّة.

وهدمت قوات الاحتلال هذا الأسبوع في طوباس والأغوار الشمالية خزانين للمياه، سعة كل واحد منهما ألف كوب، بحجة البناء دون ترخيص.

إغلاق
إغلاق